فصل: كراهة المغالاة في المهور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.كراهة المغالاة في المهور:

ومهما يكن من شيء فإن الإسلام يحرص على إتاحة فرص الزواج لاكثر عدد ممكن من الرجال والنساء، ليستمتع كل بالحلال الطيب. ولا يتم ذلك إلا إذا كانت وسيلته مذللة، وطريقته ميسرة.
بحيث يقدر عليه الفقراء الذين يجهدهم بذل المال الكثير، ولا سيما أنهم الاكثرية، فكره الإسلام التغالي في المهور، وأخبر أن المهر كلما كان قليلا كان الزواج مباركا، وأن قلة المهر من يمن المرأة.
فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة».
وقال: «يمن المرأة خفة مهرها، ويسر نكاحها، وحسن خلقها وشؤمها غلاء مهرها، وعسر نكاحها، وسوء خلقها».
وكثير من الناس جهل هذه التعاليم، وحاد عنها وتعلق بعادات الجاهلية من التغالي في المهور، ورفض التزويج إلا إذا دفع الزوج قدرا كبيرا من المال يرهقه، ويضايقه، كأن المرأة سلعة يساوم عليها، ويتجر بها.
وقد أدى ذلك إلى كثرة الشكوى، وعانى الناس من أزمة الزواج التي أضرت بالرجال والنساء على السواء، ونتج عنها كثير من الشرور والمفاسد، وكسدت سوق الزواج، وأصبح الحلال أصعب منالا من الحرام.

.تعجيل المهر وتأجيله:

يجوز تعجيل المهر وتأجيله، أو تعجيل البعض، وتأجيل البعض الاخر، حسب عادات النساء، وعرفهم.
ويستحب تعجيل جزء منه، لما روى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم منع عليا أن يدخل بفاطمة حتى يعطيها شيئا.
فقال: ما عندي شئ.
فقال: فأين درعك الحطمية؟ فأعطاه إياها رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه.
وروى أبو داود، وابن ماجه عن عائشة قالت: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا».
فهذا الحديث يدل على أنه يجوز دخول المرأة قبل أن يقدم لها شيئا من المهر.
وحديث ابن عباس يدل على أن المنع كان على سبيل الندب.
قال الاوزاعي: «كانوا يستحسنون ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئا» وقال الزهري: «بلغنا في السنة ألا يدخل بامرأة حتى يقدم يكسو كسوة. ذلك مما عمل به المسلمون».
وللزوج أن يدخل على زوجته وعليها أن تسلم نفسها إليه، ولا تمتنع عليه ولو لم يعطها ما اشترط تعجيله لها من المهر - وإن كان يحكم لها به.
قال ابن حزم: ومن تزوج فسمى صداقا أو لم يسم فله الدخول بها أحبت أم كرهت مقضي لها بما سمى لها، أحب أم كره، ولا يمنع من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يقضى له عاجلا بالدخول ويقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده من الصداق.
فإن كان لم يسم لها شيئا قضي عليه بمهر مثلها، إلا أن يتراضيا بأقل أو أكثر.
وقال أبو حنيفة: إن له أن يدخل بها أحبت أم كرهت، إن كان مهرها مؤجلا لأنها هي التي رضيت بالتأجيل وهذا لا يسقط حقه.
وإن كان معجلا كله أو بعضه لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤذي إليها ما اشترط لها تعجيله، ولها أن تمنع نفسها منه حتى يوفيها ما اتفقوا على تعجيله.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها وقد ناقش صاحب المحلى هذا الرأي.
فقال: لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد عليها الزوج فإنها زوجة له.
فهو حلال لها، وهي حلال له.
فمن منعها منه حتى يعطيها الصداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نص من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم.
لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقه منها ولا تمنع هي حقها من صداقها، لكن له الدخول عليها - أحبت أم كرهت - ويؤخذ مما يوجد له صداقها، أحب أم كره..وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تصويب قول القائل: «أعط كل ذي حق حقه».

.متى يجب المهر المسمى كله:

يجب المهر المسمى كله في إحدى الحالات الاتية:
1- إذا حصل الدخول الحقيقي لقول الله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا}.
2- إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول. وهو مجمع عليه.
3- ويرى أبو حنيفة: أنه إذا اختلى بها خلوة صحيحة، استحقت الصداق المسمى.
وذلك بأن ينفرد الزوجان في مكان يأمنان فيه اطلاع أحد عليهما، ولم يكن بأحد منهما مانع شرعي، مثل أن يكون أحدهما صائما صيام فرض عليه، أو تكون حائضا.
أو مانع حسي، مثل مرض أحدهما مرضا لا يستطيع معه الدخول الحقيقي، أو مانع طبيعي بأن يكون معهما ثالث.
واستدل أبو حنيفة بما رواه أبو عبيدة عن زائدة بن أبي أوفى، قال: «قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أغلق الباب، وأرخى الستر، فقد وجب الصداق».
وروى وكيع عن نافع بن جبير قال: «كان أصحاب رسول الله يقولون: إذا أرخى الستر وأغلق الباب، فقد وجب الصداق».
ولان التسليم المستحق وجد من جهتها فيستقر به البدل.
وخالف في ذلك الشافعي، ومالك وداود فقالوا: لا يستقر المهر كله إلا بالوطء، ولا يجب بالخلوة الصحيحة إلا نصف المهر، لقول الله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم}.
أي أن نصف ما فرض من المهر يجب إذا وقع الطلاق قبل المسيس الذي هو الدخول الحقيقي.
وفي حالة الخلوة لم يقع مسيس، فلا يجب المهر كله.
قال شريح: لم أسمع الله ذكر في كتابه بابا، ولا سترا.
إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق.
وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل دخلت عليه امرأته، ثم طلقها، فزعم أنه لم يمسها: «عليه نصف الصداق».
وروى عبد الرزاق عنه قال: لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها.

.وجوب المهر المسمى بالدخول في الزواج الفاسد:

إذا عقد الرجل على المرأة، ودخل بها، ثم تبين فساد الزواج لسبب من الاسباب، وجب المهر المسمى كله، لما رواه أبو داود: أن بصرة بن أكثم تزوج امرأة بكرا في كسرها فدخل عليها، فإذا هي حبلى فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لها الصداق بما استحللت من فرجها» وفرق بينهما.
ففي هذا الحديث وجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد كما أنه تضمن فساد النكاح وبطلانه إذا تزوجها فوجدها حبلى من الزنا.
الزواج بغير ذكر المهر: الزواج بغير ذكر المهر، ويسمى زواج التفويض يصح في قول عامة أهل العلم، لقول الله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة}.
ومعنى الآية: أنه لا إثم على من طلق زوجته قبل المسيس، وقبل أن يفرض لها مهرا.
فإذا تزوج بغير ذكر المهر، واشترط أن لا مهر عليه فقيل: إن الزواج غير صحيح، وإلى هذا ذهبت المالكية وابن حزم.
قال: وأما لو اشترط فيه أن لا صداق، فهو مفسوخ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل».
وهذا شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل، بل في كتاب الله عز وجل إبطاله.
قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}.
فإذن هو باطل، فالنكاح المذكور لم تنعقد صحته إلا على تصحيح ما لا يصح، فهو نكاح لا صحة له.
وذهبت الأحناف إلى القول بالجواز، إذ المهر ليس ركنا ولا شرطا في عقد الزواج.

.وجوب مهر المثل بالدخول أو بالموت قبله:

وإذا دخل بها الزوج، أو مات قبل الدخول بها، في هذه الحال، فللزوجة مهر المثل والميراث، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود أنه قال في مثل هذه المسألة: أقول فيها برأيي - فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني -: أرى لها صداق امرأة من نسائها: لاوكس، ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار، فقال، أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع واشق.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد، وداود، وأصح قولي الشافعي.

.مهر المثل:

مهر المثل هو المهر الذي تستحقه المرأة، مثل مهر من يماثلها وقت العقد في السن، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لاجله الصداق، كوجود الولد أو عدم وجوده، إذ أن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات.
والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها كأختها وعمتها وبنات أعمامها.
وقال أحمد: هو معتبر بقراباتها من العصبات وغيرهم من ذوي أرحامها.
وإذا لم توجد امرأة من أقرباتها من جهة الاب متصفة بأوصاف الزوجة التي نريد تقدير مهر المثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية من أسرة تماثل أسرة أبيها.

.زواج الصغيرة بأقل من مهر المثل:

ذهب الشافعي، وداود، وابن حزم، والصاحبان، من الأحناف، إلى أنه لا يجوز للاب أن يزوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها، ولا يلزمها حكم أبيها في ذلك، وتبلغ إلى مهر مثلها ولا بد، إذ أن المهر حق لها، ولا حكم لابيها في مالها..وقال أبو حنيفة: إذا زوج الاب ابنته الصغيرة، ونقص من مهرها، جاز ذلك عليها، ولا يجوز ذلك لغير الاب والجد.

.تشطير المهر:

يجب على الزوج نصف المهر إذا طلق زوجته قبل الدخول بها، وكان قد فرض لها قدر الصداق، لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير}.

.وجوب المتعة:

إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول، ولم يفرض لها صداقا، وجب عليه المتعة تعويضا لها عما فاتها.
وهذا نوع من التسريح الجميل، والتسريح بإحسان، قال الله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.
وقد أجمع العلماء على أن التي لم يفرض لها، ولم يدخل بها، لا شيء لها غير المتعة.
والمتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل. وليس لها حد معين، قال الله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين}.